مجمع البحوث الاسلامية
343
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وهو اختيارنا ؛ إذ ذكر اللّه تعالى قدرته في صدر سورة الحشر وسطوته على اليهود بإخراجهم من ديارهم ، منّا على المسلمين الّذين ما كانوا يحسبون خروجهم منها ، فخذلهم وقذف في قلوبهم الرّعب ، ونصر اللّه نبيّه عليهم في أوّل المعركة عند التقاء الجمعين . المحور الثّاني : الحشر في الآخرة في مواضع : الموضع الأوّل : حشر الوحوش والدّوابّ والطّيور في ( 9 ) و ( 40 ) وفيهما بحوث : أ - اختلفوا في حشر البهائم على ثلاثة أقوال : الأوّل : حشرها : اختلاطها ، أي تختلط الحيوانات الضّارية بالحيوانات الأليفة من دون أن يتعرّض بعضها لبعض ، وذلك لشدّة هول السّاعة . الثّاني : حشرها : جمعها ، قال ابن عبّاس : « تحشر الوحوش غدا ، أي تجمع حتى يقتصّ لبعضها من بعض ، فيقتصّ للجمّاء من القرناء ، ثم يقال لها : كوني ترابا فتموت » . وقال القشيريّ : « وهذا على جهة ضرب المثل ؛ إذ لا تكليف عليها » . الثّالث : حشرها : موتها ، أي تموت من الفزع وهول ذلك اليوم ، قال الزّمخشريّ : « يقال إذا أجحفت السّنة بالنّاس وأموالهم : حشرتهم السّنة » . ب - تبيّن من هذه الأقوال أنّهم على فريقين : الأوّل : يرى أنّ البهائم تحشر يوم القيامة كما يحشر الجنّ والإنس ، والثّاني : يرى أنّها لا تحشر ولا تبعث في ذلك اليوم . وقال الطّوسيّ : « وذلك أنّ اللّه تعالى يحشر الوحوش ليوصل إليها ما تستحقّه من الأعواض على الآلام الّتي دخلت عليها ، وينتصف لبعضها من بعض ، فإذا عوّضها اللّه تعالى ، فمن قال العوض دائم قال : تبقى منعّمة على الأبد ، ومن قال : العوض يستحقّ منقطعا اختلفوا ، فمنهم من قال : يديمها اللّه تفضّلا لئلّا يدخل على العوض غمّ بانقطاعه ، ومنهم من قال : إذا فعل بها ما تستحقّه من الأعواض جعلها ترابا » . وقال الميبديّ : « منهم من قال : إنّ القصاص ساقط عنها فيما يؤلم بعضها بعضا ، وأمّا ما ينالها من الآلام والشّدائد فإنّها لا محالة تعوّض عنها . ثمّ إنّ منهم من يقول : إنّها تعوّض في الدّنيا ، ومنهم من يقول : في الآخرة ، ومنهم من يقول : في الجنّة ، وقال بعضهم : يخلق اللّه لها رياضا فترعى فيها ، وقال بعضهم : يعني ما ليس لأهل الجنّة في إبقائها أنس ، وما كان لهم في لقائها أو صوتها أنس يدخلها الجنّة » . وقال الطّباطبائيّ : « ظاهر الآية من حيث وقوعها في سياق الآيات الواصفة ليوم القيامة أنّ الوحوش محشورة كالإنسان ، ويؤيّده قوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ الأنعام : 38 ، وأمّا تفصيل حالها بعد الحشر وما يؤول إليه أمرها ، فلم يرد في كلامه تعالى ، ولا فيما يعتمد عليه من الأخبار ما يكشف عن ذلك . نعم ربّما استفيد من قوله في آية الأنعام : أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ، وقوله : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ بعض ما يتّضح به الحال في الجملة لا يخفى على النّاقد المتدبّر ، وربّما قيل : إنّ حشر الوحوش من أشراط السّاعة لا ممّا يقع يوم القيامة ، والمراد به خروجها من غاباتها وأكنانها » .